فخر الدين الرازي
62
تفسير الرازي
ثم قال تعالى : * ( وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ ) * . أي العذاب الذي عم القوم بعد الخاص الذي طمس أعين البعض ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : * ( صبحهم ) * فيه دلالة على الصبح ، فما معنى : * ( بكرة ) * ؟ نقول : فائدته تبيين انطراقه فيه ، فقوله : * ( بكرة ) * يحتمل وجهين أحدهما : أنها منصوبة على أنها ظرف ، ومثله نقوله في قوله تعالى : * ( أسرى بعبده ليلاً ) * ( الإسراء : 1 ) وفيه بحث ، وهو أن الزمخشري قال : ما الفائدة في قوله : * ( ليلاً ) * وقال : جواباً في التنكير دلالة على أنه كان في بعض الليل ، وتمسك بقراءة من قرأ : * ( من الليل ) * وهو غير ظاهر ، والأظهر فيه أن يقال : بأن الوقت المبهم يذكر لبيان أن تعيين الوقت ليس بمقصود المتكلم وأنه لا يريد بيانه ، كما يقول : خرجنا في بعض الأوقات ، مع أن الخروج لا بد من أن يكون في بعض الأوقات ، فإنه لا يريد بيان الوقت المعين ، ولو قال : خرجنا ، فربما يقول السامع : متى خرجتم ، فإذا قال : في بعض الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته ، فكذلك قوله تعالى : * ( صبحهم بكرة ) * أي بكرة من البكر و * ( أسرى بعبده ليلاً ) * أي ليلاً من الليالي فلا أبينه ، فإن المقصود نفس الإسراء ، ولو قال : أسرى بعبده من المسجد الحرام ، لكان للسامع أن يقول : أيما ليلة ؟ فإذا قال : ليلة من الليالي قطع سؤاله وصار كأنه قال : لا أبينه ، وإن كان القائل ممن يجوز عليه الجهل ، فإنه يقول : لا أعلم الوقت ، فهذا أقرب فإذا علمت هذا في أسرى ليلاً ، فاعلم مثله في : * ( صبحهم بكرة ) * ويحتمل أن يقال : على هذا الوجه : * ( صبحهم ) * بمعنى قال لهم : عموا صباحاً استهزاء بهم ، كما قال : * ( فبشرهم بعذاب أليم ) * ( آل عمران : 21 ) فكأنه قال : جاءهم العذاب بكرة كالمصبح ، والأول أصح ، ويحتمل في قوله تعالى : * ( صبحهم بكرة ) * على قولنا : إنها منصوبة على الظرف مالا يحتمله قوله تعالى : * ( أسرى بعبده ليلاً ) * وهو أن : * ( صبحهم ) * معناه أتاهم وقت الصبح ، لكن التصبيح يطلق على الإتيان في أزمنة كثيرة من أول الصبح إلى ما بعد الإسفار ، فإذا قال : * ( بكرة ) * أفاد أنه كان أول جزء منه ، وما أخر إلى الإسفار ، وهذا أوجه وأليق ، لأن الله تعالى أوعدهم به وقت الصبح ، بقوله : * ( إن موعدهم الصبح ) * ( هود : 81 ) وكان من الواجب بحكم الإخبار تحققه بمجيء العذاب في أول الصبح ، ومجرد قراءة : * ( صبحهم ) * ما كان يفيد ذلك ، وهذا أقوى لأنك تقول : صبيحة أمس بكرة واليوم بكرة ، فيأتي فيه ما ذكرنا من أن المراد بكرة من البكر الوجه الثاني : أنها منصوبة على المصدر من باب ضربته سوطاً ضرباً فإن المنصوب في ضربته ضرباً على المصدر ، وقد يكون غير المصدر كما في ضربته سوطاً ضرباً ، لا يقال : ضرباً سوطاً بين أحد أنواع الضرب ، لأن الضرب قد يكون بسوط وقد يكون بغيره ، وأما : * ( بكرة ) * فلا يبين ذلك ، لأنا نقول : قد بينا أن بكرة بين ذلك ، لأن الصبح قد يكون بالإتيان وقت الإسفار ، وقد يكون بالإتيان بالأبكار ، فإن قيل : مثله يمكن أن يقال : في